على مدى العقود الماضية، شكّلت البيئة الجغرافية والسياسية لمنطقة الخليج العربي نموذجاً فريداً من التحالفات الاستراتيجية والتنسيق السياسي في مواجهة التحديات الخارجية، رغم ما شابها من اختلافات وتباينات، وقطيعة معلنة وأخرى مضمرة، بين حين وآخر.

غير أن هذا المشهد التقليدي يمر اليوم بتحول عميق وجذري، وربما يقف أمام نقطة انعطاف قد تُعيد رسم طبيعة العلاقات داخل الخليج. فالتنسيق الوثيق الذي جمع قطبي العمل الخليجي، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال ، لم يعد يقوم فقط على تقاطع المصالح والتحالف الاستراتيجي، بل بات يتحرك بصورة متزايدة ضمن معادلة أكثر تعقيداً، تجمع بين الشراكة والتنافس، والتنسيق، والمنافسة الاقتصادية، والسياسية.
وبالرغم من أن تلك المنافسة ما تزال محكومة بسقف العلاقات والمصالح المشتركة، إلا ان تباين الرؤى الوطنية لمرحلة ما بعد النفط، وتصاعد الأزمات والحروب في الشرق الأوسط، يفرضان معادلة جديدة تعيد تشكيل موازين القوة ومستقبل العمل الخليجي المشترك، وتطرح أسئلة أعمق حول مستقبل العمل الخليجي المشترك .
وينطلق هذا التحول من سعي كل من الرياض وأبوظبي إلى ترسيخ موقعهما كمركزي ثقل إقليمي ودولي، حيث تبدو أبعاده الاقتصادية أكثر وضوحاً من أبعاده السياسية. فمنذ إطلاق «رؤية السعودية 2030» عام 2016، دخلت المملكة بقوة على خط المنافسة لجذب الاستثمارات العالمية، وتطوير قطاعات السياحة والخدمات واللوجستيات والطيران، وهي مجالات شكّلت لعقود جزءاً أساسياً من الميزة التنافسية التي بنتها الإمارات، ودبي تحديداً.
ويتجلى هذا التوجه بوضوح في برنامج المقرات الإقليمية، الذي ربط حصول الشركات العالمية على بعض العقود الحكومية بوجود مقرات إقليمية لها في المملكة، إلى جانب ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات الطيران والموانئ والابتكار الرقمي والخدمات اللوجستية. وبذلك، لم تعد الرياض تنافس أبو ظبي ودبي على استقطاب رؤوس الأموال فحسب، بل على موقع «العاصمة الاقتصادية» للمنطقة، وما يرتبط به من نفوذ ومكانة وتأثير.
ظاهرياً لا يتعلق الأمر بمجرد منافسة على رؤوس الأموال، بل تنافس على بناء نموذج اقتصادي متكامل لمرحلة ما بعد النفط، يستهدف جذب الشركات العالمية، واستقطاب المواهب، واستضافة الفعاليات الكبرى، وتطوير مسارات التجارة العالمية، وتحويل كل من الرياض وأبوظبي إلى مركز إقليمي للأعمال والاستثمار.
وهنا، يمكن أن يصبح التنافس الاقتصادي عاملاً محفزاً للتنويع والإصلاح، لكنه قد يتحول، في المقابل، إلى مصدر للتوتر والتصعيد غير المرئي عندما يتقاطع مع السياسات التجارية والقرارات التنظيمية، أو عندما تُستخدم القواعد المحلية لمنح كل سوق مزايا تنافسية على حساب السوق الأخرى.
وقد امتد التباين الاقتصادي بين الرياض و أبوظبي على مدى السنوات العشر الماضية إلى السياسة النفطية داخل تحالف «أوبك+»، حيث برزت اختلافات في الأولويات والمصالح، خصوصاً بشأن حصص الإنتاج وخطوط الأساس. فالإمارات، التي رفعت قدراتها الإنتاجية، سعت إلى مواءمة حصتها مع تلك القدرات، بينما ارتبط الموقف السعودي بدرجة أكبر بالحفاظ على توازن السوق ودعم استقرار الأسعار ، إذ يعكس هذا التباين اختلافاً في احتياجات اقتصادين يمتلكان طموحات تنموية ضخمة، وإن كانا يشتركان في إدراك أن استقرار سوق الطاقة يظل مصلحة استراتيجية لكليهما.
ولم يبقَ التباين الاقتصادي منفصلاً عن المقاربات الإقليمية، بل انعكس بدرجات متفاوتة على ملفات النفوذ في المنطقة. ويظل اليمن المثال الأكثر وضوحاً ، إذ ركزت السعودية بدرجة أكبر على أمن حدودها الجنوبية ودعم مسار سياسي ينهي الحرب، بينما سعت الإمارات إلى تعزيز نفوذها في جنوب اليمن، وفي الموانئ والممرات البحرية.
كما تباينت مقاربات البلدين تجاه عدد من الملفات، من ليبيا والصومال إلى السودان، في ظل سعي الرياض خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع مسار التهدئة والمصالحات الدبلوماسية، بالتوازي مع استمرار أبوظبي في بناء شبكة تحالفات إقليمية ودولية أكثر مرونة وبراغماتية، بما في ذلك علاقاتها مع إسرائيل.
وهكذا، لم يعد الاختلاف بين الرياض وأبوظبي محصوراً في كيفية إدارة المصالح الاقتصادية، بل امتد إلى تعريف كل منهما لمصادر النفوذ، وأدواته، وكيفية إعادة رسم موقعه في الإقليم.
ويظهر التنافس بين الجارين بصورة أكثر وضوحاً في مناطق تتمتع بأهمية استراتيجية للتجارة والطاقة، من البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إلى السودان والممرات البحرية المحيطة بشبه الجزيرة العربية. وهنا يتداخل الاقتصادي بالجيوسياسي بصورة يصعب معها الفصل بينهما، إذ لم تعد الموانئ وسلاسل الإمداد مجرد أدوات للتجارة والنقل، بل تحولت إلى مكونات أساسية في منظومة النفوذ والأمن الوطني، وإلى أدوات لإعادة رسم خرائط المصالح وموازين القوة في المنطقة.
ومع اندلاع الحرب مع إيران وتصاعد التوترات الإقليمية منذ فبراير 2026، بات التنافس داخل الخليج أكثر حساسية، في وقت كشفت فيه الأزمة عن حدود التنسيق الخليجي وغياب رؤية موحدة للتعامل مع المخاطر المتصاعدة. فالجغرافيا تفرض على دول مجلس التعاون أمناً مشتركاً بحكم الأمر الواقع ، إذ إن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف منشأة للطاقة أو ميناء، لا يتوقف أثره عند حدود الدولة المستهدفة، بل يمتد سريعاً إلى بقية اقتصادات الخليج، وأسواق الطاقة، وسلاسل التجارة العالمية.
لكن هذا الترابط الأمني والاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على مستوى القرار السياسي. فتباين مصالح دول المجلس، واختلاف درجة اعتمادها على صادرات الطاقة، وتفاوت علاقاتها الإقليمية والدولية، جعلت الاستجابة للأزمات أقرب في كثير من الأحيان إلى تحركات وطنية منفردة منها إلى استراتيجية خليجية جماعية. وهو ما يضعف القدرة على صياغة موقف موحد في لحظة تتطلب أعلى درجات التنسيق، ويترك المنطقة أمام مخاطر مشتركة، من دون رؤية مشتركة واضحة لكيفية إدارتها.
وهنا تظهر التداعيات الأوسع للتنافس السعودي–الإماراتي على بقية دول مجلس التعاون. فالكويت وعُمان وقطر والبحرين ليست مجرد أطراف تراقب التنافس بين أكبر اقتصادين خليجيين، بل تتأثر بصورة مباشرة بإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ داخل المنطقة، وقد تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً ، الحفاظ على هامش من الاستقلال في خياراتها الاقتصادية والسياسية، من دون الانزلاق إلى اصطفافات أو انحيازات حادة، والإبقاء على الحد الأدنى من التضامن الخليجي.
وبذلك، لا يرتبط مستقبل مجلس التعاون بقدرته على إخفاء اختلاف المصالح، بل بقدرته على إدارتها واحتوائها، وتحويل التنافس بين أعضائه من مصدر للانقسام إلى مساحة للتكامل. فالمشكلة ليست في أن تختلف دول الخليج، وإنما في أن يتحول هذا الاختلاف إلى تنافس يهدد الإطار الذي يجمعها.
وقد انعكس هذا التحول بالفعل على مسار التكامل الاقتصادي الخليجي، مع تفاوت التقدم في عدد من المشاريع الطموحة، مثل الاتحاد الجمركي والعملة الخليجية والتأشيرة السياحية الموحدة، بالتوازي مع صعود سياسات وطنية أكثر تنافسية في التجارة والاستثمار. وتقدم التعديلات السعودية على قواعد الاستيراد من المناطق الحرة الخليجية مثالاً واضحاً على انتقال المنافسة الاقتصادية إلى المجال التنظيمي، بما يمس بعض عناصر الميزة التنافسية التي بنتها دبي على مدى عقود.
قصارى القول، إن التنافس السعودي–الإماراتي لا يعكس صراعاً صفرياً، ولا ينذر بقطيعة سياسية وشيكة، بقدر ما يمثل تحولاً بنيوياً في طبيعة العلاقة بين قوتين إقليميتين تتشابهان في الطموح، وتختلفان في تعريف بعض المصالح والأولويات. والمشكلة ليست في وجود التنافس بحد ذاته، إذ يمكن أن يكون محركاً للتنويع الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتسريع الإصلاحات، وإنما في انتقاله من منافسة داخل السوق إلى تباينات استراتيجية تمتد إلى الأمن والسياسة والنفوذ الإقليمي.
ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الرياض وأبوظبي على إدارة هذه المنافسة ضمن سقف الشراكة، بحيث لا تتحول الطموحات الوطنية المتنافسة إلى عامل تفكيك للمنظومة الخليجية، ولا تصبح الخلافات في المصالح أكبر من القدرة على احتوائها ، وفي ظل الحرب على إيران واضطراب أمن الطاقة والممرات البحرية، تبدو إدارة هذا التنافس أكثر أهمية من محاولة إنهائه.
مقال رأي | الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا
مقال رأي | العمومية الافتراضية.. راحة لمجلس الإدارة أم حق ضائع للمساهم؟
مقال رأي | هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
مقال رأي | الحصار الاقتصادي على إيران يخنق الخليج أيضاً
مقال رأي | الرياض تعيد رسم خرائط النفوذ بقلم المصالح وحبر الاقتصاد
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي